الغزالي

42

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

من الخروج بهما ، واستعادوهما منه ، فضاق صدره وتعب قلبه ، وطلب الإقالة إذ ظهر ذنبه . فالدّنيا كمثل طريق المسافر ودار الضيافة ليتزوّدوا منها لطريقهم ولا يطمعوا في الدار . 8 - المثال الثامن : مثل أهل الدّنيا واشتغالهم بأشغالها ، واهتمامهم بأحوالها ، ونسيان الآخرة وإهمالها ؛ كمثل قوم ركبوا مركبا في البحر فعدلوا إلى جزيرة لأجل الطهارة وقضاء الحاجة ، فنزلوا إلى الجزيرة والملّاح يناديهم : لا تطيلوا المكث لئلا يفوت الوقت ، ولا تشتغلوا بغير الوضوء والصلاة فإن المركب سائر . فمضوا وتفرّقوا في الجزيرة وانتشروا في نواحيها ؛ فالعقلاء منهم لم يمكثوا وشرعوا في الطهارة وعادوا إلى المركب فأصابوا الأماكن خالية فجلسوا في أطهر الأماكن وأوفقها وأرفعها . ومنهم قوم نظروا إلى عجائب تلك الجزيرة ووقفوا يتنزّهون في زهرتها وثمارها ، وروضاتها وأشجارها ، ويسمعون طيب ترنّم أطيارها ، ويتعجّبون من حصبائها الملوّنة وأحجارها ، فلمّا عادوا إلى المركب لم يجدوا موضعا ولا رأوا متّسعا فقعدوا في أضيق مواضعه وأظلمها . ومنهم قوم لم يقنعوا بالنزهة ولم يقتصروا على الفرجة ، لكنهم جمعوا من تلك الحصباء الملوّنة ثم حملوها معهم إلى المركب فلم يجدوا مكانا ولا فرجة ، فقعدوا في أضيق المواضع وحملوا ما استصحبوا من تلك الأحجار على أعناقهم ، فلم يمض إلّا يوم أو يومان حتى تغيّرت ألوان تلك الأحجار واسودّت وفاح منها أكره رائحة ولم يجدوا مخلصا من الزحام ليلقوا ثقلها عن أعناقهم ، فندموا على ما فعلوا ، وحصلوا بثقل الأحجار على أعناقهم إذ كانوا بتحصيلها اشتغلوا . ومنهم قوم وقفوا مع عجائب تلك الجزيرة وتنزّهوا ، وفي الرجوع لم يتفكّروا حتى سار المركب فبعدوا عنه وانقطعوا في أماكنهم وتخلّفوا ، إذ لم يصيخوا إلى المنادي ولم يسمعوا ، فمنهم من أكلته السباع ونهشته الضباع . فالقوم المتقدّمون هم القوم المؤمنون المتّقون ، والقوم المتخلّفون الهالكون هم الكفّار المشركون الذين نسوا اللّه ونسوا الآخرة وسلّموا كليتهم إلى الدّنيا وركنوا إليها كما قال عزّ من قائل : ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ [ النحل : 107 ] أي ركنوا إليها . وأمّا الجماعة المتوسّطون فهم العصاة الذين حفظوا أصل الإيمان لكنهم لم يكفّوا أيديهم عن الدّنيا ، فمنهم من تمتّع بغناه ونعمته ومنهم